لماذا لا يتحدث السياسيون العرب عن حرية الصحافة؟

عدن لنج_كرم نعمة

يعبّر روي غرينسليد محرر شؤون الإعلام في صحيفة الغارديان البريطانية عن دواعي سروره عندما يسمع نوابا في البرلمان البريطاني يتحدثون عن حرية الصحافة، من دون أن يخفي شكوكه المشروعة، فهو أسوة بكل الصحافيين تعلّم الحكمة الأولى في عدم الثقة بالسياسيين عندما يدفعون ضريبة الكلام المجرد بشأن حرية الصحافة.

المؤسف أن غرينسليد يسرد قائمة من الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون في العالم، ولم يخطر بباله أي من الانتهاكات التي تمس الصحافة في البلدان العربية! بينما معاناة حرية الصحافة فيها أخر من توضع في الهامش، أنها قصة المتن برمّته.

غالبية بلدان العالم أشبه بموسم مفتوح على أوضاع الصحافيين يديره السياسيون الذين يتصرفون مثل ملوك الأنظمة السابقة، ينكّلون بكل من يسعى إلى محاسبتهم عبر الصحافة والمطالبة بحرية نشر المعلومات لمنع التغوّل والفساد الحكومي.

المثال الأكثر وضوحًا هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يختصر الصحافة برمّتها بالأخبار المزيفة، وينظر إلى الصحافيين بوصفهم أعداء دائمين، وهذا ما يعلنه مرارا عندما استغنى عن وسائل الإعلام التقليدية واختار أن يكون ناطقا باسمه عبر حسابه على تويتر الذي يتابعه الملايين، ترامب يحاسب الصحافيين بطريقته لأنه يدرك ماهية سلطة المؤسسات الديمقراطية الأميركية التي لا تتنازل عن استقلاليتها.

هناك من أخذ زمام المبادرة للتنكيل بالصحافيين ومحاولة قلب الزمن وكأننا في عالم مغلق، كما يعتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فآخر إحصائية تشير إلى وجود 68 صحافيا في السجون التركية لأنهم خارج مزاج الرئيس.


علينا ألاّ ننسى ما معنى أن تكون صحافيا في إيران؟ ببساطة شديدة إما أن تكون هامشا لرجال الدين الحاكمين وإما عليك أن تصمت، وإياك الاقتراب من الحقيقة الشنيعة!

يعرض غرينسليد أمثلة غربية، وهي على أهميتها لا تقارن بما يجري في العالم العربي من انتهاكات بحق الصحافة، فيرى أن رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان يتعامل مع وسائل الإعلام الناقدة عن طريق شرائها وإغـلاقها، ورئيس جمهورية التشيك ميلوش زيمان، يحمل بندقية هجومية لا تصوب إطلاقاتها إلا على الصحافيين.

ولا ينبغي لنا أن نتغاضى وفق تعبير غرينسليد عن ذلك البطل الرئاسي الآخر للنيل من الصحافة الحرة، فلاديمير بوتين في روسيا. منذ وصوله إلى السلطة، قُتل ما لا يقل عن 21 صحافيا في بلده.

إن العداء ضد الصحافة من قبل الزعماء السياسيين في البلدان التي تعتبر ديمقراطية، هو مصدر قلق متزايد، لأنه يلهم سلوك المتغطرسين تجاه الصحافيين في دول العالم الأخرى.

الأرقام التي جمعتها منظمة مراسلون بلا حدود، تذكر مقتل 80 صحافياً أثناء قيامهم بعملهم خلال عام 2018، منهم 49 استهدف عمداً، فيما يقبع حتى الآن 348 في السجون وأكثر من 60 منهم تم اقتيادهم كرهائن.


“قمع بروح الطوارئ” تقرير حول حرية التعبير في العام 2018
إضغط هنا للحصول على نسخة بصيغة PDF من التقرير.إعداد:مصطفى شوقي وسارة رمضان وماريان سيدهم، الباحثون بالمؤسسة،ووسام عطا، مدير وحدة الرصد والتوثيق، وسارة محسن، الباحثة بالوحدة،وحسن الأزهري، مدير الوحدة...

عادة ما تناقش أوضاع الصحافيين في العالم في حلقات متفرعة من البرلمان البريطاني، لكنها غالبا إما أن تكون بدافع سياسي، وإما غير جدية تنتهي بمجرد انتهاء النقاش الذي يكتفي بالإدانة الروتينية.

سبق وأن عبّر وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت عن عزمه استضافة مؤتمر دولي في لندن حول حرية وسائل الإعلام من أجل تعبئة إجماع دولي بشأن حماية الصحافيين.

بينما حثت ريبيكا فينسنت مديرة مكتب مراسلون بلا حدود في بريطانيا، على إجراء نقاش مستنير بشأن حرية الصحافة في العالم. وقالت “لا يوجد أفضل من هذا الوقت لمناقشة واقع الصحافة، بعد أن مرت علينا أكثر الأعوام دموية في التاريخ بالنسبة للإعلام في ظل واقع خطير بجميع أنحاء العالم”.

وعبّرت فينسنت عن تطلع المنظمة للعمل مع برلمانيين ونشطاء للضغط من أجل حماية الصحافة قبل حلول اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث
السياسيون الغربيون يميلون في كثير من الأحيان إلى الانتقاص من الصحافيين في تصريحاتهم العامة، لكنهم لا يترددون في كيل الثناء لهم عندما يلتقون بهم على انفراد! لكن هل يمكن لنا إيجاد معادل لتلك العلاقة المخاتلة عندما يتعلق الأمر بعلاقة السياسي العربي مع الصحافي!

من أجل أن نوقف العلاقة غير السليمة بين السياسي العربي والصحافي، على السياسيين العرب إدراك أهمية الصحافة كعنصر حيوي في مجتمع حر، مهمتها كشف الظلم والفساد ومحاسبة الحكومات على تغوّلها. مثلما على الصحافيين العرب التوقف عن ممارسة دور المشجع الذي لا يتوقف عن الهتاف لناد سياسي خاسر بشكل دائم، لن نجد بين الجمهور من يحبنا كصحافيين عرب، إن استمر حالنا بعدم الاهتمام بالناس.

إذا كانت الصحافة، إلى حدّ ما، خدمة عامة، فيجب على الصحافي أن يفهم روح تلك الخدمة العامة، وهو أمر ذو قيمة للمجتمع دون أن يحقق بالضرورة عائدا ماليا مباشرا. هذا يعني التفكير في هذا النوع من الصحافة بنفس الطريقة التي قد يفكر فيها قائد سيارة الإسعاف أو رجل الإطفاء.

يقول ألان روسبريدجر رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق “إذا كان الصحافيون لا يستطيعون الاتفاق على فكرة عامة عن طبيعة المصلحة العامة والخدمة التي يطالبون الحكومات بتوفيرها للناس، فإن ذلك يعقد الدفاع عمّا نقوم به في عصر الإعلام الحر الأفقي، من المهم بالنسبة لنا كصحافيين أن نكون قادرين على تحديد وإعلان قيمنا وأهدافنا واستقلالنا”.

تبدو لي تلك الكلمات من صحافي خَبَر المهنة على مدار عقود في أهم الصحف البريطانية، أثمن ما يمكن أن يحصل عليه الصحافي للدفاع عن أفكاره حيال ما يمتلكه السياسي من سلطة غير عادلة.