من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | آخر تحديث للموقع الأحد 21 أبريل 2019 11:17 صباحاً

آخر الاخبار
فن

فيلم "فايس": أمير الشر الذي دّمر صورة أميركا في العالم

عدن لنج_واشنطن الأحد 10 فبراير 2019 10:55 صباحاً

في فيلم “فايس” Vice، وهو تلاعب واضح بالكلمة التي تحمل أكثر من معنى ومن ضمنها معنى “السقوط” في الرذيلة إن لم تتبعها كلمة “الرئيس” لتصبح “نائب الرئيس”، تعود هوليوود “الليبرالية” هذه المرة لتقديم صورة كاريكاتورية ساخرة لنائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني في عهد جورج بوش (الابن)، وكأنها تريد أن تقول إن تشيني بترسيخه لسياسات اللوبي الذي عُرف باسم “المحافظين الجدد”، هو في الحقيقة الذي يمكن أيضا اعتباره مسؤولا عن وصول دونالد ترامب بكل تطرفه، إلى البيت الأبيض. ويكاد الفيلم يقول هذا صراحة. ومنذ اللحظات الأولى يمكن لأي متابع أن يلاحظ التشابه الكبير في “المدخل والطريقة”، مع أسلوب المخرج الشهير مايكل مور صاحب الأفلام التسجيلية الساخرة عن الظواهر الأميركية المعاصرة، في تعبيره “الذاتي” عما يمكن أن نطلق عليه “ضمير المؤلف”. إلا أن آدم ماكاي، ليس مايكل مور، أي أنه لا يتمتع بنفس الحس الساخر والقدرة على التقاط التفاصيل الغريبة في تكوين شخصية ديك تشيني.
يسير الفيلم، الذي يقوم ببطولته كريستيان بيل في دور تشيني بعد أن تم تغيير ملامحه لكي يشبهه تماما وقد زاد وزنه بنحو عشرين كيلوغراما، وفق مسار متعرج يتأرجح بين الماضي والحاضر طيلة الوقت، من فترة الشباب في حياة تشيني عندما كان طالبا في الجامعة وإدمانه الكحول فمراحل علاقته الأولى بالفتاة التي ستصبح زوجته “لين” (التي تقوم بدورها ببراعة إيمي آدمز) إلى نجاحه في الوصول إلى البيت الأبيض في عهد الرئيس نيكسون، ثم عمله إلى جانب الرئيس بوش الأب.. حتى بلغ ما بلغه كما هو معروف. وبسبب كثرة الأحداث والانتقالات من خلال مونتاج متوتر مرتبك، وكثرة الشخصيات، والثرثرة الكلامية التي لا تكاد تتوقف، والتعليق الصوتي الذي يفرض نفسه على الفيلم من خارجه، تغيب البؤرة عن الفيلم، ويغيب الكثير من الجوانب الخاصة في شخصية تشيني مما قد لا يعرفه المشاهدون.
إننا نرى في سرد سريع تشيني.. مدمن تناول الحلوى الذي يدخن بشراهة والذي يبدأ حياته موظفا صغيرا في شركة اتصالات تليفونية، ثم انتقاله إلى العمل مع رامسفيلد في البيت الأبيض ثم عجزه عن الاستمرار في حملته لدخول الكونغرس بعد إصابته بنوبة قلبية، وكيف يتعرف على بوش الأب في حفل للحزب الجمهوري، ويشاهد بوش الابن سكيرا يفقد توازنه ويكاد يتسبب في فضيحة خلال الحفل، ثم كيف يتماسك تشيني ويقف بجوار ابنته “ماري” بعد أن تخبره ووالدتها، أنها “مثلية الجنس” وسوف يبقى على موقفه هذا دائما رغم تأثيره المباشر على صعوده السياسي، فهو سيضطر للانسحاب من الترشح في صفوف الجمهوريين لانتخابات الرئاسة خشية انفجار الفضيحة، ثم يلتحق بالعمل كمدير تنفيذي في شركة هاليبرتون للنفط، وتنتقل الأسرة إلى منزل كبير في فيرجينيا حيث يعيش الجميع في سعادة ورخاء، على نغمات موسيقى حالمة تشي بالنهاية السعيدة.
هنا يقول الفيلم إنه كان يمكن أن تنتهي مشاكل تشيني وتتجنب أميركا الكثير من المشاكل الحادة التي وقعت فيما بعد، لو أن “الفيلم” انتهى هنا بالضبط. وعلى نحو ساخر تنزل عناوين الفيلم النهائية وأسماء الممثلين على الشاشة، لكن قصة طموح تشيني لا تعرف نهايتها، بل تستمر ويستمر بالتالي فيلم آدم ماكاي “فايس”. نعود لنرى كيف تأتي مكالمة تليفونية تغير حياة الرجل أو بالأحرى، تعيده إلى بؤرة الأضواء: اتصال من جورج بوش الابن ثم لقاء معه، لإقناعه بالترشح كنائب للرئيس معه، ثم كيف يستغل تشيني ضعف شخصية بوش ويفرض شروطا تجعله عمليا، صاحب الكلمة الأولى في البيت الأبيض، والمسؤول عن توجيه وزارة الدفاع والجيش والمخابرات.
مسار السرد في الفيلم كما أشرنا، متعرج، ينتقل من الماضي ليقفز، على شكل فلاشات سريعة، إلى الحاضر، من القبض على تشيني بتهمة قيادة السيارة وهو تحت تأثير السكر، إلى إخلاء سبيله سريعا من البيت الأبيض بعد وقوع هجمات سبتمبر 2001، ثم ما يحدث من تعذيب في غوانتانامو، ثم قيام المخابرات الأميركية بتعليمات من تشيني، باختطاف الشيخ أبوعمر، شيخ مسجد ميلانو وتعذيبه، ثم استقالة نيكسون، وانتقال تشيني إلى العمل مع الرئيس فورد، وصولا إلى التآمر لغزو العراق بزعم امتلاك أسلحة دمار شامل، وما بعد ذلك من توريط لفاليري بالم عميلة المخابرات الأميركية وكشفها بسبب تصريحات زوجها السفير السابق، المناهضة للحرب في العراق، وظهور شخصية الزرقاوي، وإصابة تشيني لرجل من مرافقيه في رحلة صيد وتقاعسه رغم ذلك عن الاعتذار.. الخ
تفاصيل مربكة
تفاصيل وأحداث كثيرة وانتقالات مرهقة، من خلال هذا الشكل المتعرج الذي يقفز بسرعة، ويغرق في تفاصيل التفاصيل، ليصبح مربكا خاصة عندما ينتقل الفيلم لترجمة ما يقال على شريط الصوت عبر شريط الصورة بطريقة بدائية مباشرة. فعندما تعترض لين- مثلا- على إدمانه الخمر، وتقول إنها لا تريد أن ترى مجددا صورة والدها الذي كان يعود كل ليلة ليعتدي على أمها وهو ثمل، نشاهد هذا مترجما بطريقة حرفية في فلاش سريع!
تظهر في الفيلم شخصيات كثيرة يعرفها المشاهدون جيدا، لعبت أدوارا متعددة في السياسة الأميركية، من أهمها بوش الأب وابنه الذي يبدو أخرقا بليدا، وكيسنجر المتآمر، إلى كولن باول وكوندزليزا رايس ورامسفيلد وبول وولوفيتز وكارل روف وغيرهم، هذه الشخصيات لا تتمتع بالطرافة ولا بالقدرة على الإضحاك، على الرغم من الصورة الكاريكاتورية المبالغ فيها التي تظهر عليها في الفيلم، باستثناء شخصية رامسفيلد التي أداها ببراعة “ستيف كاريل”. وفي مشهد طريف يتساءل تشيني في سذاجة قائلا لرامسفيلد وهو يفكر: وما الذي نؤمن به؟ على إثر ذلك، ينفجر رامسفيلد في نوبة من الضحك الهستيري وهو يردد تساؤل تشيني الذي يجده ساذجا، فالسياسة في نظره لا تنبني على مبادئ أو معتقدات فكرية، بل على “مصالح” ولكن هذا ما يريد المخرج ماكاي أن يغرسه ويفرضه فرضا على الشخصية من خارجها، فيبدو مقحما وليس طبيعيا، والفيلم بأكمله يسير على نفس النهج.
هل أضحكنا؟
أراد ماكاي دون أن ينجح، أن يدفعنا إلى الضحك وأن نشاركه اللهو والاستمتاع بالسخرية السوداء العبثية، غير أن المشكلة كون شخصية ديك تشيني شخصية جامدة بليدة، فهو لا يتمتع مثلا بإمكانيات هتلر وقدراته التمثيلية، كما أن كريستيان بيل ليس شابلن، فهدفه الأساسي ينحصر في التقمص أكثر من التعبير الذاتي عن الشخصية ونقل ما يدور في داخلها إلينا، ولا شك أنه نجح في التقمص إلى درجة مذهلة، سواء في طريقة الجلوس أو نظرات العينين، أو إيماءات الوجه، أو نغمة الصوت، وحتى عندما لا يقول شيئا على الإطلاق، يبدو مؤثرا بنظراته الساهمة. وهو لا يخرج عن المحاكاة الدقيقة إلى مجال “السخرية” سوى في مشهدين فقط: مشهد يجمعه مع زوجته لين في الفراش، والمشهد الأخير.
لين زوجة تشيني تقف وراءه دائما، تدفعه وتشحنه، تحذره وتنذره، تزين له المضي في طريق الطموحات حتى النهاية الدموية. فهي المعادل هنا لشخصية ليدي مكبث، ويقتبس ماكاي بشكل مباشر من حوارات مسرحية لشكسبير في المشهد الساخر الذي يدور في الفراش بين تشيني وزوجته لين وهي تواصل دفعها له في طريق الصعود بكل الطرق الشريرة حيث يستوحي كلاهما من الحوار على نحو ساخر بالطبع، وخارج عن مسار الفيلم بل عن تكوين الشخصية وأداء الممثل بشكل عام.
وفي المشهد الأخير في مقابلة تلفزيونية معه يقول “تشيني- بيل” إنه لن يعتذر عن حربه ضد الإرهاب وإنه فعل ذلك لكي ينام الجميع في طمأنينة، ثم يستدير ويتطلع إلى الكاميرا ويخاطب المشاهدين (الأميركيين أساسا) قائلا لهم: كان شرفا لي أن أكون خادمكم.. أنتم اخترتموني، وقد فعلت ما طلبتموه!
خلال الفيلم يظهر الراوي الذي يذكر أن اسمه هو “كيرت” (يقوم بالدور جيسي بليمونز) يعلق على الأحداث، بصوته وصورته، ويسلط الأضواء على مسارات ديك تشيني في الحياة وعلاقتها بما يحيط بها، بعد أن يقول لنا في البداية إن لا أحد كان يعرف عنه شيئا ولا حتى القريبين منه وطبعا ولا نحن المشاهدون، من أين جاء أو كيف صعد وبلغ أعلى مراكز السلطة؟ لا يفسر الرواي علاقته بتشيني ويكتفي بالقول إنه “أحد أقاربه”. وهو سيظهر في الفيلم في حرب العراق حيث تتعرض قافلة أميركية مدرعة للتفجير، وفي مواقف أخرى نراه باعتباره نموذجا للمواطن الأميركي الذي يدفع ثمن أخطاء تشيني ورفاقه، وسوف يتعين علينا أن ننتظر إلى قرب النهاية، قبل أن نعرف حقيقة هذه الشخصية ودورها “المفترض” في حياة تشيني.
يستخدم ماكاي الكثير من مقاطع الفيديو ونشرات الأخبار التلفزيونية والشرائط التسجيلية والبيانات والرسوم المتحركة والحركة السريعة للصورة وغير ذلك، من خلال مونتاج يخلق إيقاعا لاهثا ونقلات سريعة، وماكاي يرغب في محاكاة أسلوب ما بعد الحداثة، في الخلط بين الأنواع والأساليب، وعدم احترام المسار القصصي للسرد، والتمرد على “النوع” السينمائي، ورفض عقلانية سينما الحداثة، إلا أنه في الوقت نفسه يؤكد حضور “المؤلف” طوال الوقت، من خلال التعليق الصوتي الذي وضعه على لسان تلك الشخصية الخيالية التي تعكس ضمير المخرج- المؤلف نفسه.
الطابع الكاريكاتوري الهزلي الساخر (الذي يفشل رغم ذلك في إضحاكنا بسبب مباشرته الفجة) يتبدى في مشهد المطعم. هنا يجلس تشيني مع زملائه: رامسفيلد وبول وولوفيتز وسكوتر ليبي. يأتي النادل (الذي يقوم بدوره ألفريد مولينا) يعرض عليهم قائمة الطعام ويقول إن لديهم أشياء متنوعة جيدة مثل الترحيل إلى السجون السرية والتعذيب والاستجواب المتقدم.. الخ
نظرة أحادية
من البداية حتى النهاية، تتضح القصدية المسبقة في التعامل مع الشخصية، من وجهة نظر أحادية ترمي إلى النيل من ديك تشيني وتصويره باعتباره “ملاك الشر” مقابل “أمير الظلام” ريتشارد بيرل الذي لعب دورا بارزا في إدارة بوش في التمهيد لضرب العراق وهو أحد رفاق تشيني المقربين وعضو بارز في جماعة “المحافظين الجدد” في واشنطن. هذا التفسير الأحادي للشخصية يضعف الفيلم ويجعله منشورا هجائيا، ويجعل تحليله ينحصر في التفسير الفردي التآمري للتاريخ، فكأن تشيني اختطف أميركا (البريئة) من وراء ظهر “المؤسسة” الاحتكارية صاحبة النفوذ الكبير والمصالح الاقتصادية العالمية، وفعل ما فعله لرغبة شريرة لديه كانت توجهها زوجته “ليدي مكبث”!

المزيد في فن