من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | آخر تحديث للموقع الخميس 29 أكتوبر 2020 04:13 مساءً

آخر الاخبار
رأي

الخميس 15 أكتوبر 2020 12:55 صباحاً

مقال لـ د. علي صالح الخلاقي: انطباعات مشارك في فعاليات يوم اللغة المهرية لعام 2020م

 

حينما استلمت الدعوة الكريمة الموجهة من الدكتور سعيد سعد نجادان القميري المدير التنفيذي لمركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث للمشاركة في المحفل العلمي لفعاليات يوم اللغة المهرية لهذا العام تنازعتني ساعتها رغبة الموافقة على السفر إلى المهرة التي يشدني الشوق إليها شداً، والتردد في قبول الدعوة خشية من متاعب الرحلة الطويلة براً من عدن إلى الغيضة، لكنني لم أتردد كثيراً، فقررت تلبية الدعوة لاعتبارات ثلاثة: أولاً للمشاركة في المحفل العلمي دعماً لنشاط مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث ونسج علاقة علمية مع قيادته الشابة المتحمسة لخدمة لغة وتاريخ وتراث المهرة، وثانياً للتعرف مجدداً على المهرة بعد أكثر من ثلاثة عقود على زياراتي المتكررة لها جواً مطلع ثمانينات القرن الماضي حينما كنت أقدم البرنامج الإذاعي والتلفزيوني الإسبوعي (جيش الشعب) ، إذ جُلت في كثير من مناطقها، وشربت من لبن نوقها وأبقارها وأكلت من لحوم (الفعران) في مرتفعات حوف الجميلة المكسوة بالخضرة والمتدثرة بالضباب خاصة في موسم خريف حوف الأخَّاذ، الخالب للألباب، وثالثا للقاء بالأصدقاء من زملاء الدراسة الجامعية من أبناء المهرة ممن يتبوأون مناصب ومسئوليات متعددة في هيئات السلطة المحلية.  

تزامنت الفعاليات مع الذكرى الثالثة لتأسيس المركز، التي صادفت 2 أكتوبر2020م، وشملت العديد من المناشط والفعاليات التي استمرت على فترتين صباحية ومسائية خلال يومي 4-5 أكتوبر الجاري، وتنوعت بين فعاليات علمية وأدبية وفنية وفلكلورية، جمعت بين اللغتين المهرية والعربية، مع غلبة للغة المهرية التي تعد من اللغات العربية القديمة ولسان أهل المهرة الذين ينتمون نسباً إلى: مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة، ويصل النسب بعد ذلك إلى مالك بن حمير. وقد جاء تأسيس المركز كمؤسسة بحثية للعناية بهذه اللغة ودراستها بصورة منهجية علمية ووضع أبجدية لها بأحرف عربية لنقلها من العالم الافتراضي المسموع إلى الواقع الكتابي الملموس.

زخر برنامج يوم اللغة المهرية في نسخته الثالثة هذا العام، بالعديد من الفعاليات المتنوعة، من أهمها تدشين المشروع الميداني لحصر مفردات اللغة المهرية الذي سينفذه المركز ضمن أولوياته القادمة لتوثيق كافة المفردات المستخدمة في محافظة المهرة وخارجها، وحوسبتها الكترونيا، وصولاً إلى إعداد معجم شامل للغة المهرية وفقاً للحروف الهجائيَّة مع شرح المفردات بالعربية. ولعُمري إن هذا العمل العظيم هو الضمانة الأكيدة لحفظ اللغة المهرية وتراثها أمام مخاطر الانقراض التي قد تتهددها لعوامل عديدة. وفي ذات الاتجاه تم أيضاً تدشين الموقع الالكتروني لمركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث، باللغتين العربية والانجليزية ويحمل الصبغة والصفة الاكاديمية والبحثية، ويهدف إلى حصر كافة الابحاث التي تتمحور حول اللغة المهرية ، ويعد بوابة الكترونية يطل من خلالها المركز إلی العالمية، لا سيما في ظل الاهتمام المتزايد باللغة المهرية عالمياً.

وضمن فعاليات المحفل العلمي، كان لي شرف تقديم ورقتين بحثييتين الأولى في اليوم الأول عن دور قبيلة المهرة وأعلامها في مصر في القرون الثلاثة الأولی، وفي اليوم الثاني ورقة بعنوان (ذو الوزارتين أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن عمَّار المَهْرِي الأَنْدَلُسي422-477 هـ/1031-1085 م) كما أهديت المركز (10) إصدارات من مؤلفاتي المختلفة لرفد مكتبته الوليدة. فيما قدم زميلي الدكتور نوح عبدالله علمهي استاذ اللغة بكلية التربية سقطری- جامعة حضرموت ورقة عن علاقة اللغة السقطرية بالمهرية وبعض مميزاتهما اللغوية. 

واتحفنا الباحث المجتهد الأستاذ عبدالمجيد بن عويض الجعفري في تقديم عرض لمحتويات ومضامين كتابة (الشعر المهري سماته الفنية والجمالية - تركيبته العروضية وازانه)، وهو الاصدار الأول لمركز اللغة المهرية، و نال مؤلفه جائزة المركز الأدبية للعام 2019م، والملفت للانتباه أن الباحث يعمل في سلك التمريض، لكنه باحث جاد وشاعر مهتم بالنقد الأدبي، وهو ما تجلى في مضامين كتابه الذي أظهر جماليات وفنون الشعر المهري موزعة في ستة فصول طرق فيها موضوعات لم يطرقها أحد من قبله . كما أمتعنا الدكتور أنور كلشات الأمين العام لمركز اللغة المهرية بعرض موجز لرسالة الدكتوارة التي حملت عنوان "الحفاظ على اللغة وتحولها – دراسة اللغة المهرية في مدينة الغيضة". وأشار إلى المخاطر المحدقة باللغة المهرية، والتي لا شك أن المركز سيضع المعالجات لوضع حد لها ضمن أهدافه المعلنة. 

تنوعت كذلك الفعاليات المسائية، حيث استمتعنا بمشاهدة المعرض الفني للرسم والتصوير، وتجولنا ببين اللوحات الفنية المتنوعة التي تحاكي وتجسد البيئة الطبيعية والاجتماعية للمهرة وتراثها الثقافي وأبرزت مواهب متميزة من الجنسين من مختلف مديريات المحافظة. وشهدت باحة حصن بن غفيلة الأثري المبني من الطين والمُفعَم بريح المسك، في وسط الغيضة،أمسية أدبية ممتعة عشنا لحظاتها الجميلة مع السمر المهري (سمريت)، التي أبدع في تقديمها كل من الاستاذ سعد مسلم بن غفيلة مدير قسم التوثيق بالمركز والاستاذ عبدالهادي قاسم بن عنوش الاعلامي المتميز في قناة المهرة الفضائية، وشارك فيها عدد من شعراء المهرة ممن قدموا نماذج من أشعارهم باللغة المهرية أبرزهم صاحب الحضور الفاعل والصوت الرخيم الشاعر علي حسن راشد، وقليل هي الاشعار التي قُدِّمت بالعربية..لكن الاشعار المهرية التي استمعت إليها تلتزم الوزن والقافية مثلها مثل الشعر العربي الفصح او العامي..كما لمست ذلك من تتبعي للقصائد...واستمتعت شخصيا أنا الذي لا يتكلم المهرية بشدو الشعر ومواويله الطربية الشجية بالمهرية بفنونها التقليدية المتنوعة منها: فن الدندنيت، فن الرجزيت (دان دان)، فن يا لولي يا لولي..الخ. وتذكرت كيف كان يطرب زميل دراستي الروسي ميخائيل ريباكوف (ميشا) لصوت فيروز...وهكذا كان حال العبد لله، اتفاعل مع الأصوات الشعرية بلحنها الجميل الذي يشنف الآذان ويدخل القلب بلا استئذان..فيكون اللحن خير ترجمان للبيان، وكفيلا لانعاش الوجدان.. وما لفت انتباهي ذلك الحضور المتذوق حيث جلس الجميع بهدوء كلا في موقعه يستمعون للشعراء ويستمتعون او يرددون معهم مقاطع غنائية بألحان تراثية مهرية تبهج النفس، وكان اختيار المكان التاريخي المزدان ببعض الآثاث والبنادق القديمة، وكذا إيقاد النار لإعداد القهوة وتقديمها مع التمور للحاضرين موفقا لمثل هذه الفعالية. 

ومسك الختام كان حفل الختام، مساء الاثنين، وأجمل ما في فقراته أداء زهرات المهرة لرقصات نسائية متنوعة بزيهن التقليدي، وكذا عرض الفلم الوثائقي (قشن..أم المدائن) للشاب المبدع والمصور والرسام المحترف عبدالله صالح هزميم الجدحي الذي قدم فيه لقطات مكثفة لتاريخ مدينة قشن، العاصمة التاريخية للمهرة وسقطرى، والزاخرة بالكثير من العالم الأثرية التاريخية وكنوز الموروث الشعبي، وقد تابعه الحاضرون صامتين بلا حركة، وكأنَّ على رءوسهم الطير. وكان الحفل بفقراته الخطابية والفنية مناسبة لتكريم المشاركين وكذا الفائزين من الجنسين في الفعاليات المختلفة، كالبحث العلمي و الرسم والتصوير الفوتوغرافي والشعر..الخ. 

ورغم أن الفلكلور الشعبي المهري كان حاضرا بقوة بأصنافه وإيقاعاته المتنوعة، إلا أن ما لفت انتباهي أن الرقصات المهرية التراثية كانت نسائية حصرياً، وأبدعت زهرات المهرة في أدائها ببراعة بزيهن وحليِّهن الشعبية التقليدية الأصيل سواء في الفعاليات النسائية التي شهدتها مدرسة عائشة وتخللها معرض للملابس النسائية وأدوات الزينة التقليدية للمهريات وفقرات لغوية وتراثية، أو في الحفل الختامي من خلال تقديم الزهرات المهريات لعدد من الرقصات النسائية ذات. لكن ما لاحظته غياب الرقصات الرجالية التي لا شك أن المهرة غنية بها، وقد سبق لي أن شاركت زملاء الدراسة الجامعية في موسكو في أداء رقصة البرع المهري، القريب من البرع اليافعي في الإيقاع والحركات مع فارق طفيف، وكنت أتمنى أن يكون لها ولغيرها من الرقصات الفلكولورية نصيبها في مثل هذه الفعاليات. كما غاب الفن الغنائي الذي تشتهر به المهرة، وافتقدنا في هذه الفعالية مشاركة نجوم الفن الغنائي المهري فيها، مثل الفنان ذائع الصيت، محمد مشعجل رعفيت وغيره، لتكتمل بذلك لوحة الفنون المهرية التراثية الأصيلة، وكم سيكون رائعاً أن تصدح مثل تلك الألحان في فعاليات يوم اللغة المهرية كل عام.

 

ومن خلال مشاركتي في فعاليات يوم اللغة المهرية وتتبعي لنشاط مركز اللغة المهرية للدراسات والبحوث اتضح لي أن المركز حظي ويحظى بدعم ورعاية ومساندة منذ لحظة تأسيسة من قبل السلطة المحلية، ممثلة بالمحافظين الثلاثة الذي تعاقبوا على المهرة خلال الثلاث السنوات من عمر المركز، بدءًا من الأستاذ محمد عبدالله كده ومروراً بالشيخ راجح باكريت وانتهاء بالمحافظ الحالي الاستاذ محمد علي ياسر، أما الأستاذ سالم عبدالله نيمر الأمين العام للمجلس المحلي فهو صاحب الحضور الدائم في كل فعاليات المركز، داعماً ومؤازراً، وكذا وكلاء المحافظة. كما برزت مشاركة المجتمع المهري بكل فئاته في دعم المركز، وفي المقدمة السلطان عبدالله بن عيسى بن عفرار رئيس المجلس العام لابناء محافظتي المهرة وسقطرى، وكذلك القبول والارتياح من قبل الأكاديميين والمثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن المهري، لشعورهم بأن مركز اللغة المهرية خير من يضطلع بمهمة الحفاظ على هويتهم اللغوية التي يتميزون بها ودراستها وتدوين وتوثيق ونشر فلكلورها وموروثها الثقافي والتاريخي. وفي ظل هذا الإسناد والدعم الرسمي والشعبي انتقل المركز من مقره المؤقت بالإيجار عند التأسيس إلى مقره الحالي الواقع بجانب المعهد التقني والمهني وكلية العلوم التطبيقية والانسانية بالغيضة، والأهم من ذلك حصول المركز على مساحة أرض مناسبة وواسعة لتشييد مقره الخاص وفق تصاميم حديثة، تراعي تطور المركز باقسامه، وقد تم توثيقها بتعاون من السلطة المحلية ومكتب التربية والتعليم بالمحافظة التي اُستقطعت الأرضية من حجوزاته، ويكون مركز اللغة المهرية بذلك قد سبق مراكز مماثلة أقدم منه في عدن وحضرموت ما زالت مقراتها أسيرة الإيجار.

 وهكذا حقق المركز خلال عمره القصير، وبذلك التعاون الجمعي، الرسمي والشعبي، نجاحات علمية ملموسة، وأحدث نقلة نوعية في المشهد اللغوي والثقافي المهري الذي كان يغلب عليه الجمود، وبدأ في نسج علاقات علمية مع المراكز والهيئات المماثلة في الداخل والخارج. ولا شك أن وراء هذه النجاحات والمحرك لها فريق متجانس من قيادات المركز الشابة التي تجمع بين الحماسة وبين التخصصات الأكاديمية ذات الصلة باللغة المهرية يقف على رأسهم البروفيسور عامر فائل بلحاف، رئيس المركز، وهو أستاذ اللغة والنحو وله عدد من الإصدارات منها "شحر مهرة وأعلامها المهاجرين" و"مَهْرَة في مصادر اللغة والأدب: لسانُها – إبلُها – طائفةٌ من أخبارها" وغير ذلك من الإصدارات، وللأسف لم تتح لنا فرصة اللقاء والتعارف لوجوده في الخارج، و الدكتور سعيد سعد نجادان القميري أستاذ اللغة الإنجليزية، المدير العام للمركز ونائب عميد كلية العلوم التطبيقية والإنسانية صاحب الحضور الأبرز في الفعاليات الحالية، ومعه الدكتور أنور محمد كلشات،أستاذ اللغة الإنجليزية، الأمين العام للمركز، والدكتور عادل كرامة معيلي، عميد كلية التربية المهرة، رئيس قسم الدراسات بالمركز، وغيرهم من الأكاديميين والمهتمين، الذين يعملون بروح الفريق الواحد والمفعمين بالحماس والحيوية وروح الإخلاص لهويتهم اللغوية ولتراثهم وثقافتهم. 

ختاماً أسجل إعجابي وتقديري للثلاثي الجميل د.سعيد القميري، د.أنور كلشات، الأستاذ سعد بن غفيلة، الذين الذي عملوا كخلية نحل نشطة، وظلوا في حركة مستمرة هنا وهناك، يعملون دون توقف أو ملل على إنجاح فعاليات يوم اللغة المهرية لهذا العام. كما أسجل تقديري وامتناني الخاص لصديقي الأستاذ سالم عبدالله نيمر الأمين العام للمجلس المحلي الذي حرص، كعهده دائماً، على حضور فعاليات الافتتاح والاختتام، واستضافته للمشاركين مع قيادة المركز في مأدبة غداء دسمة في منزله تنم عن كرم أهلنا في المهرة، والأجمل أن القات في مثل هذه المناسبات لا وجود له، وحلت محله الفاكهة وأقداح القهوة والشاي. 

كما يلزمني الوفاء والعرفان بالجميل أن أزجي جزيل الشكر لأصدقاء الدراسة الجامعية، د.سالم علي القميري، رئيس القيادة المحلية للمجلس الانتقالي في المهرة، الذي تعافى من أزمته المرضية، والدكتور علي أحمد رويشد مدير عام الجمارك، والأستاذ نفحات راجح القميري المستشار الإعلامي للمحافظ الذين اصطحبوني، برفقة صديقنا الشيخ وزير بن حسن الحميري في رحلة ممتعة إلى حوف مع التوقف خلال الرحلة في التجمات السكنية المحاذية لشاطئ بحر العرب الممتد في الآفاق، بما تتمتع به من مواقع سياحية جذابة وما تجود به من صنوف الثروة السمكية،والتي لو استحسن استثمارها لأنعشت السياحة ولمثلت مناطق جذب وقبلة للسواح الاجانب والسياحة المحلية. 

 ومسك ختام كانت رحلتنا في جبل صرفيت المطل على مدينة حوف والمكسو بالأشجار الوارفة والخضرة والجمال. والحمد لله اننا لحقنا موسم خريف حوف مع نهايته، وما زالت الخضرة طاغية وان بدت بعض الاشجار بلونها الذهبي . وتناولنا على الطبيعة وتحت ظلال شجرة قرض تسمى بالمهرية (قريط) وجبة غداء دسمة كان لها طعماً شهياً بحلاوة المكان الجميل ومضيفينا الأجمل فشكراً لهم على كرم الضيافة.

غادرت المهرة التي أحببتها بأهلها وبطبيعتها وبتاريخها، بعد رحلة علمية وسياحية ممتعة، وقبل عودتي إلى معشوقتي عدن، تركت شيئاً من القلب يحوم هناك في سماء المهرة وفي شواطئها الذهبية الجميلة وعلى مرتفعات جبالها المكسوة بالخضرة، وفي نفسي أقول: وداعاً وإلى لقاء قادم، والمهرة وكل الجنوب في وضع أفضل وأجمل. 

عدن

14اكتوبر2020م