من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | آخر تحديث للموقع الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 12:03 مساءً

آخر الاخبار
رأي

الخميس 08 يوليو 2021 03:04 مساءً

مقال لـ د. علي صالح الخلاقي: قاضي الدّيس الشرقية الشيخ علي بن صالح ابن علي الحاج


في البدء نشير إلى أن أصول آل علي الحاج الحوثري في حضرموت تعود إلى موطنهم الأصلي في يافع، وتُسمى قريتهم (رِيْد) ضمن مكتب الموسطة. أما في حضرموت فتتوزع مواطنهم بين الوادي والساحل، حيث تنتشر أعدادهم أضعافاً مضاعفة عمّا في يافع، وأكبر تجمع لهم في حضرموت هو في مثواهم المسمى باسمهم (ساحة آل علي الحاج) في مديرية القطن، في وادي حضرموت، ولهم تواجد كبير في المكلا، وفي غيل باوزير، وكذلك ينتشرون في الديس الشرقية والشحر وبروم والهجرين، إضافة إلى تواجدهم واستقرارهم في عُمان وفي المهجر الهندي وشرق افريقياً، وفي دول الخليج وغيرها من بلدان العالم.  
ولآل علي الحاج حضورهم الواضح في تاريخ حضرموت المعاصر حيث برز منهم، خلال القرون الثلاثة الماضية، شخصيات عسكرية وإدارية والأدبية ورجال قضاءوشعراء. وتجلى دورهم بشكل أكثر وضوحاً في عهد السلطنة القعيطية التي تبوأ فيها عدد من شخصيات هذه الأسرة مواقع مرموقة مدنية وعسكرية، وممن برز في القضاء الشيخ علي بن صالح بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج. وحسب إفادة الباحث طاهر المشطي، فقد أسس أول محكمة شرعية بالديس الشرقية، وكان أول قاضٍ فيها، وكان مقدم وشيخ آل الحوثري، بل وشيخ مشايخ يافع بالديس الشرقية. وما زال بيته قائما الى يومنا هذا في حافة (القويرة) وهو بيت كبير محصن عسكريا حيث له سور وبرجان في الجهة الشمالية، وكان بيته قبلة للعلم والعلماء، وحل الكثير من القضايا واصلاح ذات البين في الديس والمناطق المجاورة. وقد تتلمذ على يديه عدد من طلبة العلم لعل أشهرهم قاضي الديس أحمد سعيد باصلعة الذي خلف الشيخ علي بن صالح في القضاء بالديس الشرقية. وهذا يعني أنه قد تلقى علومه الشرعية والفقهية وتفوق فيها حتى أصبح قاضياً قبل ذلك بزمن. وكان قاضياً بالدّيس في عهد قاضي المكلا الشيخ القاضي الوَرِع عبدالرحمن باشيخ في حدود سنة 1339هـ، وما قاربها، وله ردٌّ على حُكم للشيخ عبدالرحمن باشيخ في قضية "آل عبدالودود" سنة 1339هـ، وله أيضاً رسالة في الرَّد على باشيخ في قضية حُكم آل كساد، انتهى منها في 4ربيع الأول سنة 1340هـ [ينظر:مجلة حضرموت الثقافية، العدد18].
وقد كانت له صلة قويِّة بحُكّام الدّيس القعيطيين، وظل مرجعية يلجأ إليها الناس في فض النزاعات أو إصلاح ذات البين أو توثيق الاتفاقات أو الحصول على الفتاوى عمَّا يُشْكِل من المسائل الشرعيّة ونحوها، بحكم تخصصه في القضاء، وبين أيدينا ثلاث وثائق من أرشيف آل علي الحاج في (رِيْد) يافع تؤكد ذلك. ولعله من الأفضل أن نورد نص الوثائق، ثم التعليق على كل منها:
  
(1) نص الوثيقة الأولى:
         ---------

الحمد لله وحده
لما كان فاتحة محرم عاشور عام 1340هـ اتفق الصدر علي بن حسين بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج وعبدالله علي باسلامة، وتقرر الدّين الذي على عبدالله علي ستين ريالاً حاله، ثم أنه طلب عبدالله علي الامهال وتفرقة ذلك القدر من علي حسين، فطلب الفقير علي بن صالح بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج التِّكْفاه من علي حسين ومن عبدالله علي، فيما يراه من تفرقة الستين الريال، فكفوا بصيغة النذر المعتبرة شرعاً، فرأى الفقير علي بن صالح أن تكون مفرقة ست سنين، يسلم عبدالله علي باسلامة لعلي حسين في عين كل سنة عشرة ريال إلى أن تغلق، يسلمها عبدالله علي أو ابنه علي بن عبدالله، والدَّين المؤجَّل عليهما، والحيّ يقضي على الميت، وبُودي[أول] الحلول آخر هذا العام المذكور وقت تدبيره أهل عدن من أهل الديس وفي وقت الخريف يسلم ذلك عبدالله أو ولده بلا منازعه وذلك مع الطوع وعدم الإكراه، وصحة العبارة والكمال ونفوذ التصرف بمحضر علي بن صالح بن علي الحاج اليافعي وبمحضر علي مبارك عبادي وشهدا على ذلك.

التعليق:
---------
الوثيقة كُتبت بعد أن لجأ إليه دائنٌ ومَدينٌ لحل قضية دَيْن بينهما. الدائن في هذه الوثيقة هو الصدر علي بن حسين بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج،  والمَدِين عبدالله علي باسلامة، ومقدار الدّين ستون ريالاً، والمقصود بذلك الريال الفضي النمساوي "ماريا تيريزا" الذي ظل متداولاً إلى عشية الاستقلال، ويُسمى أيضاً "قرش فرنصة"، والمبلغ بمقياس ذلك الوقت كبير جداً، إذ يعادل رواتب عدّة أشهر، ولذلك طلب باسلامة إمهاله في تسديد الدَّيْنَ بالتقسيط. ومن جانبه طلب القاضي علي بن صالح من الطرفين (التِّكْفاه) وتعني في العُرف تفويض من الطرفين للاقتناع بما يقرره من تقسيط الستين الريال دون اعتراض، فكفوا بصيغة النذر المعتبرة شرعاً، وصيغة النذر يُفهم منها إلزام الإنسان نفسه بما قد نوى عليه.
ورأى القاضي أن تُقَسَّط على مدار ست سنوات، يسلم عبدالله علي باسلامة لعلي حسين في عين كل سنة عشرة ريال حتى استكمالها (إلى أن تغلق) ويسلمها عبدالله علي أو ابنه علي بن عبدالله، اعتباراً من آخر ذلك العام، وقت تدبير المبلغ من أهل عدن أو من أهل الديس، وفي وقت الخريف يسلم ذلك عبدالله أو ولده بلا منازعه بالطوع ودون الإكراه. وصح ذلك بحضور علي بن صالح بن علي الحاج اليافعي وعلي مبارك عبادي وشهدا على ذلك.

(2) نص الوثيقة الثانية:
         ---------
عاشوراء عام 1342هـ
الحمد لله وحده
أقر واعترف بنفسه على نفسه عبدالله علي باسلامة وعياله أن في ذمّته ووذمّة عياله علي وأخوه، دَيْناً ثابتاً وحقاً لازماً ثمانين ريال للصدر علي بن حسين بوبكر وولده بوبكر أهل علي الحاج ثمانين ريالات فرنصة مؤجَّلة في ذمّتهم كل سنة عشرة ريال يسلمونها لعلي حسين أو ابنه بوبكر كل سنة بعد سنة إلى غلاق الثمانين الريال في ثمان سنين، أوَّلها فاتحة محرَّم عاشوراء عام اثنين وأربعين وثلاثمائة بعد الألف 1342هـ ، إلى غلاق عام تسعة وأربعين وألف وثلاثمائة 1349هـ ، جرى ذلك مع الطوع وعدم الإكراه ومع الكمال ونفوذ التصرف بمحضر من يضع مشهده وكتبه بالأذن علي بن صالح بوبكر بن علي الحاج.
شهد على ذلك قاسم بن عبدالله بن حلبوب الحوثري
شهد على ذلك فرج عوض باخبازي

التعليق:
------
تعود هذه الوثيقة إلى شهر عاشوراء/ محرم عام 1342هـ، أي بعد عامين من تاريخ الوثيقة السابقة، ومضمونها نفس مضمون سابقتها، وتخُص نفس الدائن علي بن حسين والمدين باسلامة، وبمبلغ قدره ثمانين ريالات فرنصة، أي بزيادة عشرين ريالاً عن الدَّين السابق، وقد أقَرَّ واعترف بأن في ذمّته وذمّة عياله علي وأخيه، تلك الريالات مؤجَّلة في ذمّتهم، يسلمون كل سنة عشرة ريالات لعلي حسين أو ابنه بوبكر حتى اكمال تسديدها في بحر ثمان سنين، أوَّلها فاتحة محرَّم (عاشوراء) سنة1342هـ ، وحتى نهاية (غلاق) سنة 1349هـ، وتم ذلك بحضور الكاتب والشاهد القاضي علي بن صالح بوبكر بن علي الحاج، وشهد على ذلك قاسم بن عبدالله بن حلبوب الحوثري، وفرج عوض باخبازي.

(3) نص الوثيقة الثالثة
        ---------

بسم الله الرحمن الرحيم
ما قولكم دام فضلكم في رُجلٍ غاب عن زوجته منذُ سنين، فلما أن طالت غيبته قال لرجلٍ متوجه إلى أهله: أقدم إلى عند زوجتي وأخبرها إن معها صَبْر لحتى يجمع الله بيننا، وإن لم يكن معها صبر وأرادت الطلاق فأنت وكيل تطلِّقها. فبلغ ذلك الرجل وأخبرها بذلك فردّت عليه: لا أريد الطلاق وأني صابرة لحتى يريد الله. فرد الخبر إلى زوجها بما قالته زوجته بأنها صابرة ولم ترد الطلاق، فبقي الزوج ينفق ويكسي سنين، فخطبها بعد مُدَّة رجل إلى وَليّها، فراجعها وَلِيَّها فقالت: كيف أتزوج وأني بعِصْمة الزوج؟. فقالوا: اطلبي الطلاق من الوكيل، فمنعت، فلما أن كثروا عليها وخَوَّفوها قالت لهم: سيروا إلى الوكيل إذا با يطَلِّق يطَلِّق، أما أني ما أطلب الطلاق، فساروا إلى الوكيل فطَلَّق، فتزوَّجت الغير. أفيدونا المسألة واقعة تثابون.
الجواب من القاضي علي بن صالح بن علي الحاج:
--------------------
الجواب والله أعلم بالصواب قول الزوج الغائب للوكيل إذا طلبت الطلاق فطلِّقها، فبلغها الخبر فمنعت من الطلاق، فهذا تعليق للوكالة بصفة وهو طلبها للطلاق، فلم توجد الصفة، ومعلوم أن تعليق الوكالة باطل، ولكن نفذوا العلماء عمله لعموم الأذن في غير ما هنا، وفي مسألتها لم يوجد عموم الأذن لبلوغ الخبر إلى الزوج بأنها لم ترد الطلاق وصابرة وتمَّت في عصمته سنين وفي مكانه وهو ينفقها ويكسوها، فما فعل الوكيل باطل من الطلاق من وجهين، الأول أن عموم الأذن لم يوجد، والثاني عدم رضاها بالطلاق، فيجب على والي الأمر ، أصلحه الله، أن يفرِّق بينها وبين الزوج التالي، ثم يبحث في مسألتها، والتهاون في مثل هذا مضر. والله أعلم بالصواب.
كتب ذلك الواثق بربه العلي علي بن صالح بن علي الحاج اليافعي

التعقيب من القاضي عبدالرحمن ابن أحمد بن عمر باشيخ :
--------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللهم هداية للصواب. الجواب صحيح حيث كان الأمر كما ذكره السائل، حفظه الله، من أن لفظ الزوج إن معها صبر وإن ما معها صبر من التعليق بأن الذي تقتضي الفورية في الجواب فلا يملك الوكيل طلاقها بعد اختيارها المقام مع زوجها، نعم إن قال الزوج متى طلبت زوجتي الطلاق فطَلَّقها صح طلاق الوكيل المذكور، وأما إذا قال إن طلبت الطلاق فطَلِّقها، فإذا اختارت الصبر مع زوجها فليس لها الرجوع عنما اختارته أولاً. والله سبحانه أعلم وأحكم.
وكتبه العبد الفقير عبدالرحمن ابن أحمد بن عمر باشيخ عفى الله عنهم، حامداً مصلياً مسلماً

تعقيب القاضي عبدالله بن عوض باحشوان:
--------------------
الحمد لله ما وقع من الأجوبة لا مزيد عليه من البيان في البطلان، والوكيل لا يملك الطلاق إلا بوكالة غير هذه المتقدمة، والطلاق الواقع لا معوّل عليه. والله أعلم
كتب الحقير عبدالله بن عوض باحشوان
التعليق
   هذه الوثيقة هي فتوى شرعية تجيب على سؤال توجه به السائل إلى فضيلة القاضي علي بن صالح بن علي الحاج، وكان رده ببطلان طلاق الوكيل للزوجة لسببين، الأول أن عموم الأذن لم يوجد، والثاني عدم رضاها بالطلاق، ورغبتها البقاء في عصمة زوجها الغائب، وقضى بالتفريق
بينها وبين الزوج التالي.
وجاء التعقيب الكتابي في نفس الوثيقة من القاضي عبدالرحمن ابن أحمد بن عمر باشيخ يؤكد صحة الجواب، وأن الوكيل لا يملك طلاقها بعد اختيارها المقام مع زوجها، لأن الزوج لم يقُل لموكله متى طلبت زوجتي الطلاق فطَلَّقها، وإنما قال إن طلبت الطلاق فطَلِّقها، وقد  اختارت الصبر مع زوجها وليس لها الرجوع عما اختارته.
وجاء تعقيب القاضي عبدالله بن عوض باحشوان يؤكد أن ما وقع من الأجوبة لا مزيد عليه من البيان في البطلان، والوكيل لا يملك الطلاق إلا بوكالة غير تلك الوكالة المتقدمة، والطلاق الواقع لا معوّل عليه.
ومع تفقه القضاة المذكورين في العلوم الشرعية فأنهم يختمون فتاويهم بالقول (والله أعلم بالصواب) أو (والله سبحانه أعلم وأحكم)أو (والله أعلم) زيادة في التواضع، ومثل ذلك عدم ذكر صفتهم كقضاة والاكتفاء بالقول (كتب ذلك الواثق بربه)، أو (وكتبه العبد الفقير)، أو (كتب الحقير) ومثل هذه العبارات مألوفة ومتبعة لدى علماء وفقهاء المسلمين ومؤرخيهم، ولم يخرج القضاة الثلاثة عن ذلك.
الخلاصة:
تكشف لنا هاتان الوثيقتان الأوليتان طبيعة التعامل حينها بالدَّين والحرص على توثيقه، ربما لأن المبالغ كبيرة، ويقتضي تسديدها سنوات عديدة، ست سنوات كما في الوثيقة الأولى، وثمان سنوات حسب الثانية قد يتعرض خلالها المدين للوفاة ولذا يتم الإقرار بأن الحيّ يقضي على الميت. كما أن لجوء الدَّائن والمدين إلى القاضي علي بن صالح يرجع لمكانته وسمعته الحسنة وثقة الناس به.
أما الوثيقة الثالثة فتتعلق بالرد الشرعي على قضية طلاق بالوكالة، وزيادة في التحقق من الفتوى فقد عقب على رد القاضي علي بن صالح بن علي الحاج كل من القاضي عبدالرحمن باشيخ والقاضي عبدالله بن عوض باحشوان، وتطابقت آراؤهم جميعاً.
وختاماً أول إننا، وللأسف الشديد، لا نعرف الكثير عن بقية سيرة حياة قاضي الديس بن علي الحاج بكامل تفاصيلها، وقد تكشف عن ذلك وثائق قد تكون محفوظة لدى أسرته التي غادرت الدّيس وهاجرت إلى عُمان وانقطعت عن حواثرة الدّيس بعد أن استقرت هناك، كما علمت من صديقي الباحث الأستاذ طاهر المشطي الذي تواصل معي يسأل هل يوجد له ذكر في وثائق آل علي الحاج التي اطلعت عليها في يافع، وها أنا أقدم ما حصلت عليه، آملا أن تظهر وثائق أو معلومات جديدة تستكمل ما خفي عن جوانب سيرته أو غيره من الشخصيات، سواء في حضرموت أو عُمان، وربما في يافع. والله الموفق.قاضي الدّيس الشرقية
الشيخ علي بن صالح ابن علي الحاج
----------------
#علي_صالح_الخلاقي:

في البدء نشير إلى أن أصول آل علي الحاج الحوثري في حضرموت تعود إلى موطنهم الأصلي في يافع، وتُسمى قريتهم (رِيْد) ضمن مكتب الموسطة. أما في حضرموت فتتوزع مواطنهم بين الوادي والساحل، حيث تنتشر أعدادهم أضعافاً مضاعفة عمّا في يافع، وأكبر تجمع لهم في حضرموت هو في مثواهم المسمى باسمهم (ساحة آل علي الحاج) في مديرية القطن، في وادي حضرموت، ولهم تواجد كبير في المكلا، وفي غيل باوزير، وكذلك ينتشرون في الديس الشرقية والشحر وبروم والهجرين، إضافة إلى تواجدهم واستقرارهم في عُمان وفي المهجر الهندي وشرق افريقياً، وفي دول الخليج وغيرها من بلدان العالم.  
ولآل علي الحاج حضورهم الواضح في تاريخ حضرموت المعاصر حيث برز منهم، خلال القرون الثلاثة الماضية، شخصيات عسكرية وإدارية والأدبية ورجال قضاءوشعراء. وتجلى دورهم بشكل أكثر وضوحاً في عهد السلطنة القعيطية التي تبوأ فيها عدد من شخصيات هذه الأسرة مواقع مرموقة مدنية وعسكرية، وممن برز في القضاء الشيخ علي بن صالح بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج. وحسب إفادة الباحث طاهر المشطي، فقد أسس أول محكمة شرعية بالديس الشرقية، وكان أول قاضٍ فيها، وكان مقدم وشيخ آل الحوثري، بل وشيخ مشايخ يافع بالديس الشرقية. وما زال بيته قائما الى يومنا هذا في حافة (القويرة) وهو بيت كبير محصن عسكريا حيث له سور وبرجان في الجهة الشمالية، وكان بيته قبلة للعلم والعلماء، وحل الكثير من القضايا واصلاح ذات البين في الديس والمناطق المجاورة. وقد تتلمذ على يديه عدد من طلبة العلم لعل أشهرهم قاضي الديس أحمد سعيد باصلعة الذي خلف الشيخ علي بن صالح في القضاء بالديس الشرقية. وهذا يعني أنه قد تلقى علومه الشرعية والفقهية وتفوق فيها حتى أصبح قاضياً قبل ذلك بزمن. وكان قاضياً بالدّيس في عهد قاضي المكلا الشيخ القاضي الوَرِع عبدالرحمن باشيخ في حدود سنة 1339هـ، وما قاربها، وله ردٌّ على حُكم للشيخ عبدالرحمن باشيخ في قضية "آل عبدالودود" سنة 1339هـ، وله أيضاً رسالة في الرَّد على باشيخ في قضية حُكم آل كساد، انتهى منها في 4ربيع الأول سنة 1340هـ [ينظر:مجلة حضرموت الثقافية، العدد18].
وقد كانت له صلة قويِّة بحُكّام الدّيس القعيطيين، وظل مرجعية يلجأ إليها الناس في فض النزاعات أو إصلاح ذات البين أو توثيق الاتفاقات أو الحصول على الفتاوى عمَّا يُشْكِل من المسائل الشرعيّة ونحوها، بحكم تخصصه في القضاء، وبين أيدينا ثلاث وثائق من أرشيف آل علي الحاج في (رِيْد) يافع تؤكد ذلك. ولعله من الأفضل أن نورد نص الوثائق، ثم التعليق على كل منها:
  
(1) نص الوثيقة الأولى:
         ---------

الحمد لله وحده
لما كان فاتحة محرم عاشور عام 1340هـ اتفق الصدر علي بن حسين بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج وعبدالله علي باسلامة، وتقرر الدّين الذي على عبدالله علي ستين ريالاً حاله، ثم أنه طلب عبدالله علي الامهال وتفرقة ذلك القدر من علي حسين، فطلب الفقير علي بن صالح بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج التِّكْفاه من علي حسين ومن عبدالله علي، فيما يراه من تفرقة الستين الريال، فكفوا بصيغة النذر المعتبرة شرعاً، فرأى الفقير علي بن صالح أن تكون مفرقة ست سنين، يسلم عبدالله علي باسلامة لعلي حسين في عين كل سنة عشرة ريال إلى أن تغلق، يسلمها عبدالله علي أو ابنه علي بن عبدالله، والدَّين المؤجَّل عليهما، والحيّ يقضي على الميت، وبُودي[أول] الحلول آخر هذا العام المذكور وقت تدبيره أهل عدن من أهل الديس وفي وقت الخريف يسلم ذلك عبدالله أو ولده بلا منازعه وذلك مع الطوع وعدم الإكراه، وصحة العبارة والكمال ونفوذ التصرف بمحضر علي بن صالح بن علي الحاج اليافعي وبمحضر علي مبارك عبادي وشهدا على ذلك.

التعليق:
---------
الوثيقة كُتبت بعد أن لجأ إليه دائنٌ ومَدينٌ لحل قضية دَيْن بينهما. الدائن في هذه الوثيقة هو الصدر علي بن حسين بوبك بن عبدالله سعيد بن علي الحاج،  والمَدِين عبدالله علي باسلامة، ومقدار الدّين ستون ريالاً، والمقصود بذلك الريال الفضي النمساوي "ماريا تيريزا" الذي ظل متداولاً إلى عشية الاستقلال، ويُسمى أيضاً "قرش فرنصة"، والمبلغ بمقياس ذلك الوقت كبير جداً، إذ يعادل رواتب عدّة أشهر، ولذلك طلب باسلامة إمهاله في تسديد الدَّيْنَ بالتقسيط. ومن جانبه طلب القاضي علي بن صالح من الطرفين (التِّكْفاه) وتعني في العُرف تفويض من الطرفين للاقتناع بما يقرره من تقسيط الستين الريال دون اعتراض، فكفوا بصيغة النذر المعتبرة شرعاً، وصيغة النذر يُفهم منها إلزام الإنسان نفسه بما قد نوى عليه.
ورأى القاضي أن تُقَسَّط على مدار ست سنوات، يسلم عبدالله علي باسلامة لعلي حسين في عين كل سنة عشرة ريال حتى استكمالها (إلى أن تغلق) ويسلمها عبدالله علي أو ابنه علي بن عبدالله، اعتباراً من آخر ذلك العام، وقت تدبير المبلغ من أهل عدن أو من أهل الديس، وفي وقت الخريف يسلم ذلك عبدالله أو ولده بلا منازعه بالطوع ودون الإكراه. وصح ذلك بحضور علي بن صالح بن علي الحاج اليافعي وعلي مبارك عبادي وشهدا على ذلك.

(2) نص الوثيقة الثانية:
         ---------
عاشوراء عام 1342هـ
الحمد لله وحده
أقر واعترف بنفسه على نفسه عبدالله علي باسلامة وعياله أن في ذمّته ووذمّة عياله علي وأخوه، دَيْناً ثابتاً وحقاً لازماً ثمانين ريال للصدر علي بن حسين بوبكر وولده بوبكر أهل علي الحاج ثمانين ريالات فرنصة مؤجَّلة في ذمّتهم كل سنة عشرة ريال يسلمونها لعلي حسين أو ابنه بوبكر كل سنة بعد سنة إلى غلاق الثمانين الريال في ثمان سنين، أوَّلها فاتحة محرَّم عاشوراء عام اثنين وأربعين وثلاثمائة بعد الألف 1342هـ ، إلى غلاق عام تسعة وأربعين وألف وثلاثمائة 1349هـ ، جرى ذلك مع الطوع وعدم الإكراه ومع الكمال ونفوذ التصرف بمحضر من يضع مشهده وكتبه بالأذن علي بن صالح بوبكر بن علي الحاج.
شهد على ذلك قاسم بن عبدالله بن حلبوب الحوثري
شهد على ذلك فرج عوض باخبازي

التعليق:
------
تعود هذه الوثيقة إلى شهر عاشوراء/ محرم عام 1342هـ، أي بعد عامين من تاريخ الوثيقة السابقة، ومضمونها نفس مضمون سابقتها، وتخُص نفس الدائن علي بن حسين والمدين باسلامة، وبمبلغ قدره ثمانين ريالات فرنصة، أي بزيادة عشرين ريالاً عن الدَّين السابق، وقد أقَرَّ واعترف بأن في ذمّته وذمّة عياله علي وأخيه، تلك الريالات مؤجَّلة في ذمّتهم، يسلمون كل سنة عشرة ريالات لعلي حسين أو ابنه بوبكر حتى اكمال تسديدها في بحر ثمان سنين، أوَّلها فاتحة محرَّم (عاشوراء) سنة1342هـ ، وحتى نهاية (غلاق) سنة 1349هـ، وتم ذلك بحضور الكاتب والشاهد القاضي علي بن صالح بوبكر بن علي الحاج، وشهد على ذلك قاسم بن عبدالله بن حلبوب الحوثري، وفرج عوض باخبازي.

(3) نص الوثيقة الثالثة
        ---------

بسم الله الرحمن الرحيم
ما قولكم دام فضلكم في رُجلٍ غاب عن زوجته منذُ سنين، فلما أن طالت غيبته قال لرجلٍ متوجه إلى أهله: أقدم إلى عند زوجتي وأخبرها إن معها صَبْر لحتى يجمع الله بيننا، وإن لم يكن معها صبر وأرادت الطلاق فأنت وكيل تطلِّقها. فبلغ ذلك الرجل وأخبرها بذلك فردّت عليه: لا أريد الطلاق وأني صابرة لحتى يريد الله. فرد الخبر إلى زوجها بما قالته زوجته بأنها صابرة ولم ترد الطلاق، فبقي الزوج ينفق ويكسي سنين، فخطبها بعد مُدَّة رجل إلى وَليّها، فراجعها وَلِيَّها فقالت: كيف أتزوج وأني بعِصْمة الزوج؟. فقالوا: اطلبي الطلاق من الوكيل، فمنعت، فلما أن كثروا عليها وخَوَّفوها قالت لهم: سيروا إلى الوكيل إذا با يطَلِّق يطَلِّق، أما أني ما أطلب الطلاق، فساروا إلى الوكيل فطَلَّق، فتزوَّجت الغير. أفيدونا المسألة واقعة تثابون.
الجواب من القاضي علي بن صالح بن علي الحاج:
--------------------
الجواب والله أعلم بالصواب قول الزوج الغائب للوكيل إذا طلبت الطلاق فطلِّقها، فبلغها الخبر فمنعت من الطلاق، فهذا تعليق للوكالة بصفة وهو طلبها للطلاق، فلم توجد الصفة، ومعلوم أن تعليق الوكالة باطل، ولكن نفذوا العلماء عمله لعموم الأذن في غير ما هنا، وفي مسألتها لم يوجد عموم الأذن لبلوغ الخبر إلى الزوج بأنها لم ترد الطلاق وصابرة وتمَّت في عصمته سنين وفي مكانه وهو ينفقها ويكسوها، فما فعل الوكيل باطل من الطلاق من وجهين، الأول أن عموم الأذن لم يوجد، والثاني عدم رضاها بالطلاق، فيجب على والي الأمر ، أصلحه الله، أن يفرِّق بينها وبين الزوج التالي، ثم يبحث في مسألتها، والتهاون في مثل هذا مضر. والله أعلم بالصواب.
كتب ذلك الواثق بربه العلي علي بن صالح بن علي الحاج اليافعي

التعقيب من القاضي عبدالرحمن ابن أحمد بن عمر باشيخ :
--------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللهم هداية للصواب. الجواب صحيح حيث كان الأمر كما ذكره السائل، حفظه الله، من أن لفظ الزوج إن معها صبر وإن ما معها صبر من التعليق بأن الذي تقتضي الفورية في الجواب فلا يملك الوكيل طلاقها بعد اختيارها المقام مع زوجها، نعم إن قال الزوج متى طلبت زوجتي الطلاق فطَلَّقها صح طلاق الوكيل المذكور، وأما إذا قال إن طلبت الطلاق فطَلِّقها، فإذا اختارت الصبر مع زوجها فليس لها الرجوع عنما اختارته أولاً. والله سبحانه أعلم وأحكم.
وكتبه العبد الفقير عبدالرحمن ابن أحمد بن عمر باشيخ عفى الله عنهم، حامداً مصلياً مسلماً

تعقيب القاضي عبدالله بن عوض باحشوان:
--------------------
الحمد لله ما وقع من الأجوبة لا مزيد عليه من البيان في البطلان، والوكيل لا يملك الطلاق إلا بوكالة غير هذه المتقدمة، والطلاق الواقع لا معوّل عليه. والله أعلم
كتب الحقير عبدالله بن عوض باحشوان
التعليق
   هذه الوثيقة هي فتوى شرعية تجيب على سؤال توجه به السائل إلى فضيلة القاضي علي بن صالح بن علي الحاج، وكان رده ببطلان طلاق الوكيل للزوجة لسببين، الأول أن عموم الأذن لم يوجد، والثاني عدم رضاها بالطلاق، ورغبتها البقاء في عصمة زوجها الغائب، وقضى بالتفريق
بينها وبين الزوج التالي.
وجاء التعقيب الكتابي في نفس الوثيقة من القاضي عبدالرحمن ابن أحمد بن عمر باشيخ يؤكد صحة الجواب، وأن الوكيل لا يملك طلاقها بعد اختيارها المقام مع زوجها، لأن الزوج لم يقُل لموكله متى طلبت زوجتي الطلاق فطَلَّقها، وإنما قال إن طلبت الطلاق فطَلِّقها، وقد  اختارت الصبر مع زوجها وليس لها الرجوع عما اختارته.
وجاء تعقيب القاضي عبدالله بن عوض باحشوان يؤكد أن ما وقع من الأجوبة لا مزيد عليه من البيان في البطلان، والوكيل لا يملك الطلاق إلا بوكالة غير تلك الوكالة المتقدمة، والطلاق الواقع لا معوّل عليه.
ومع تفقه القضاة المذكورين في العلوم الشرعية فأنهم يختمون فتاويهم بالقول (والله أعلم بالصواب) أو (والله سبحانه أعلم وأحكم)أو (والله أعلم) زيادة في التواضع، ومثل ذلك عدم ذكر صفتهم كقضاة والاكتفاء بالقول (كتب ذلك الواثق بربه)، أو (وكتبه العبد الفقير)، أو (كتب الحقير) ومثل هذه العبارات مألوفة ومتبعة لدى علماء وفقهاء المسلمين ومؤرخيهم، ولم يخرج القضاة الثلاثة عن ذلك.
الخلاصة:
تكشف لنا هاتان الوثيقتان الأوليتان طبيعة التعامل حينها بالدَّين والحرص على توثيقه، ربما لأن المبالغ كبيرة، ويقتضي تسديدها سنوات عديدة، ست سنوات كما في الوثيقة الأولى، وثمان سنوات حسب الثانية قد يتعرض خلالها المدين للوفاة ولذا يتم الإقرار بأن الحيّ يقضي على الميت. كما أن لجوء الدَّائن والمدين إلى القاضي علي بن صالح يرجع لمكانته وسمعته الحسنة وثقة الناس به.
أما الوثيقة الثالثة فتتعلق بالرد الشرعي على قضية طلاق بالوكالة، وزيادة في التحقق من الفتوى فقد عقب على رد القاضي علي بن صالح بن علي الحاج كل من القاضي عبدالرحمن باشيخ والقاضي عبدالله بن عوض باحشوان، وتطابقت آراؤهم جميعاً.
وختاماً أول إننا، وللأسف الشديد، لا نعرف الكثير عن بقية سيرة حياة قاضي الديس بن علي الحاج بكامل تفاصيلها، وقد تكشف عن ذلك وثائق قد تكون محفوظة لدى أسرته التي غادرت الدّيس وهاجرت إلى عُمان وانقطعت عن حواثرة الدّيس بعد أن استقرت هناك، كما علمت من صديقي الباحث الأستاذ طاهر المشطي الذي تواصل معي يسأل هل يوجد له ذكر في وثائق آل علي الحاج التي اطلعت عليها في يافع، وها أنا أقدم ما حصلت عليه، آملا أن تظهر وثائق أو معلومات جديدة تستكمل ما خفي عن جوانب سيرته أو غيره من الشخصيات، سواء في حضرموت أو عُمان، وربما في يافع. والله الموفق.